أحمد الشرباصي
131
موسوعة اخلاق القرآن
إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّءْيا تَعْبُرُونَ » أي تفسرونها ببيان المعنى الحقيقي المراد من المعنى الخيالي . وفي الاعتبار معنى الإحساس بدلالات الآيات ، سواء أكانت حسية أم معنوية ، وفيه معنى التأمل والتفكر ، مما يربي في نفس المعتبر فضيلة التأثر بالعظة ، والاستجابة للنصيحة ، والتقبل للتوجيه ، والإفادة من سابق التجارب ، أو قائم الدلائل والمشاهد ، وقد أمر القرآن الكريم بالاعتبار ، فقال في سورة الحشر : « فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ » وربط بين العبرة ومواطنها المتعلقة بما خلق اللّه وأبدع في كونه من أشياء دالة على قدرته داعية إلى خشيته ، فنراه يقول في سورة النحل : « وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ « 1 » وَدَمٍ لَبَناً خالِصاً سائِغاً لِلشَّارِبِينَ » . ويقول في سورة المؤمنون : « وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِها ، وَلَكُمْ فِيها مَنافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْها تَأْكُلُونَ » . ويقول في سورة النور « يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ » . ولقد أشار القرآن الكريم إلى غزوة بدر في سورة آل عمران فقال : « قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا : فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ ، يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ ، وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ » . وجاء « تفسير المنار » فتحدث عن معنى الآية ، ثم أشار إلى فضيلة الاعتبار التي ينوه بها كتاب اللّه تعالى ويوجه إليها ، فقال فيما قال : « وجملة القول أن الآية ترشد إلى الاعتبار بمثل الواقعة المشار إليها ( يعني غزوة بدر ) التي غلبت فيها فئة قليلة فئة كثيرة بإذن اللّه ، ولذلك قال : ( إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ) * أي لأصحاب الأبصار الصحيحة التي استعملت فيما خلقت لأجله من التأمل في الأمور ، بقصد الاستفادة منها ، إلا لمن وصفوا بقوله : ( لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ، وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ، وَلَهُمْ آذانٌ
--> ( 1 ) الفرث : ما في الكرش من فضلات الطعام .